محمد بن الطيب الباقلاني

207

الإنتصار للقرآن

وإذا كان ذلك كذلك ثبت أنّ بسم اللّه الرحمن الرحيم آية وقرآن منزل في كل موضع رسمت فيه ، لأنّ إطباق الأمّة على ذلك قائم مقام توقيف الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ونصّه على أنّ جميع ما في ذلك الإمام قرآن منزل وتلاوة ونصّ قرآن بذلك ، فكما أنّه لو وقف على ذلك وتلا به قرآنا يجب حمله على ما عدا بسم اللّه الرحمن الرحيم مع معرفة قصده إلى التوقيف ، على أنّ جميع ما فيه قرآن منزل فكذلك سبيل توقيف الأمّة على هذا الباب . قالوا : وقد تظاهرت الأخبار بذلك عن الرسول صلّى اللّه عليه ، ونقل أهل الآثار أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه والمسلمين إنما كانوا يعرفون انقضاء السورة والابتداء بغيرها إذا نزلت بسم اللّه الرحمن الرحيم ، ولا يجوز أن يقال : نزل في جملة القرآن ، ومع ذكره وبواديه وخواتمه ما ليس بقرآن . قالوا : وقد روى عمرو بن دينار « 1 » عن سعيد بن جبير عن ابن عباس : « إنّ جبريل عليه السلام كان إذا نزل / على النبيّ صلى اللّه عليه بسم اللّه [ 113 ] الرحمن الرحيم عرف أنّها سورة قد ختمت واستقبل السورة الأخرى » « 2 » ، وروى ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن أمّ سلمة « أنّ النبيّ صلى اللّه عليه كان يعدّ بسم اللّه الرحمن الرحيم آية فاصلة » « 3 » ، وروى ابن جريج وسفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن سعيد بن جبير قال : « ما كان رسول اللّه صلى اللّه عليه يعرف انقضاء السورة حتى تنزل عليه بسم اللّه الرحمن الرحيم » « 4 » .

--> ( 1 ) المكي ، أبو محمد الأثرم الجمحي مولاهم ، ثقة ثبت من الرابعة ، مات سنة ست وعشرين ومائة . « التقريب » ( 1 : 734 ) . ( 2 ) رواه أبو داود في « سننه » ( 1 : 209 كتاب الصلاة ، باب من جهر بها برقم 788 ) ، وأخرجه ابن عدي في « الكامل في الضعفاء » ( 3 : 178 ) بألفاظ مختلفة عن ابن عباس . ( 3 ) لم أقف عليه . ( 4 ) انظر « نصب الراية » للزيلعي ( 1 : 327 ) .